الخامس من ديسمبر عام 2010م

اليوم أغلق صفحاتي المهنية في وزارة التربية والتعليم، وأنضم إلى جملة "المتقاعدين" عن العمل..

فبـعد أن انتهيت من كتابة خطاب الاستقالة- وكان ذلك في الخامس من أكتوبر 2010م- أخذت تصفح جريدة الإمارات اليوم، وشدني - مصادفة- عنوان للدكتور نجيب الشامسي:

متقاعد = مُتْ قاعد .... يقول في موضوعه:

إن أصل كلمة متقاعد كلمتان مت ـ قاعد أي الموت جلوساً.. هكذا فجأة يصدر حكم ظالم من مسؤول في وزارة أو هيئة أو دائرة حكومية على موظف مواطن بالموت جالساً، بإحالته إلى التقاعد وهو في قمة عطائه، وكامل استعداده، ونبوغ فكره ونضوج علمه، وفي الأغلب يصدر هذا القرار، لأن هذا المسؤول يخشى النابغين ويخاف المبدعين، يتوجس من المنتجين، ربما لأنه جاء بمقصد وأهداف ذاتية، أو ربما لأنه لا يملك الكفاءة والقدرة وفن الإدارة واستثمار المنتج والنابغ من الموظفين، فيصدر حكمه الظالم بإحالة هذا الموظف المواطن إلى التقاعد القسري، ومن دون سابق إنذار، وإذا لم يتمكن من إبعاده عن العمل أو الوظيفة، فإنه يدفعه إلى التقاعد من خلال تهميشه أو إبعاده عن مصدر القرار، أو يجرده من مسؤولياته، أو يعيده إلى وظيفة لا تناسب مؤهلاته وخبراته، وعليه أن يقبل التهميش القسري أو أن يختار الرحيل المبكر عن الوظيفة طواعيةً.

في كلتا الحالتين المشار إليهما النتيجة واحدة، التقاعد، وموت بطيء على كرسي المتقاعدين أو المهمشين، نعم متقاعد مع سبق الإصرار والترصد، متقاعد على كرسي الوظيفة أو الموت البطيء مع القهر والظلم، أو كرسي المنزل أو المقهى أو حتى على قارعة الطريق، حيث السأم والملل.

وأمام هذه الظروف، فإن البعض يسعى إلى التغلب على وضعه بالهروب بعيداً عن هذه الحالة، من خلال فتح مكتب صغير له يمارس من خلاله عملاً بسيطاً بعد خروجه من العمل، ربما ليموت وهو واقف! أو أن يقبل بالتهميش على كرسي وظيفة أخرى لا تلبي طموحاته ومكانته وخبراته، ليموت جالساً على ذلك الكرسي، بعد أن تنهشه الأمراض النفسية ثم العضوية، إن لم تكن العقلية!، خصوصاً حينما يشاهد نظرات الازدراء من زملائه الذين ربما كان رئيساً لهم أو مسؤولاً عنهم في يوم ما، أو نظرات الرأفة والعطف من زملاء يدركون حقيقة الأمور، لكنهم عاجزون عن مد يد العون والمساعدة إليه أو حتى الاقتراب منه، خوفاً من مسؤول لن يتردد في إصدار حكم المتقاعد عليهم، ليصبحوا على ما فعلوا نادمين!

هكذا هي حال أوضاعنا الإدارية في العديد من مؤسساتنا ووزاراتنا ودوائرنا الحكومية، حيث بعض المسؤولين ينظرون إلى كرسي المسؤولية باعتباره إرثاً توارثوه عن أجدادهم، وحقاً ممنوحاً لهم حتى مماتهم، أو منصباً مستحقاً لهم لأنهم يملكون الكفاءة والقدرة الاستثنائية، أو شركة خاصة يديرونها وفقاً لأمزجتهم وأهوائهم، يبطشون، يظلمون، ينهبون، لا لشيء إلا لأنهم يملكون سلطة القرار الذي يظنون أنه سلاح يستخدمونه وقتما شاءوا وكيفما أرادوا، غير مقتنعين بأن الإدارة فن، والمسؤولية أخلاق، واحترام الموظفين للمسؤول شيء، والخوف من بطشه شيء آخر، والمسؤول لا يعلم أن الكرسي دوار، وقد ينقلب عليه في أي وقت، وحينها سيدرك جيداً أن مصيره إلى ..... التاريخ مهما اعتلى منصبه أو اغتنم من وظيفته.. وهنا نقول رحم الله مسؤولي أيام زمان، أحياءهم وأمواتهم، حيث الفهم والإدراك للمسؤولية والوظيفة، واحترام الموظفين والحرص عليهم!

* هكذا بدأت نظرتي للوضع الذي سأكون عليه بعد تقديم خطاب الاستقالة، بجمل قوية هزتني، بل أدمعت عيناي على وضعي الجديد، مهمشة.. منتهية الصلاحية!.. إذا عليّ المقاومة للحفاظ على مسيرتي مشرقة متميزة.. حتى بعد الاستقالة والإحالة إلى التقاعد..

نعم كتبتُ خطاب الاستقالة بيدي، لكن عن وضع لم أتحمله، عن تهميش لم أعرفه في حياتي المهنية التي امتدت 24 سنة!

كنت دائما أُسأل عن سبب تميزي وتفوقي في العمل، فتتمحور إجابتي حول إحدى أبرز الأسباب، ألا وهي صلاحيات الرئيس المباشر ودوره في رفع همة العطاء وإطلاق الإبداع لدى الموظفين لتحقيق التميز.. والثقة المتبادلة بين الرئيس والمرؤوس..

أما الوضع الذي كنت عليه فقد كان يحيطه الغموض الذي مازال يحيرني حتى اليوم، وأجبرني لرسم حدٍ حازم لوضعي..

وقبل أن أتخذ القرار النهائي للاستقالة، تشاورت وبعض الأعزاء المخلصين، ففوجئت بنظرات الشفقة والعطف تحيط عيونهم، خاصة من كانوا يروني "أنــام" خلال ساعات الدوام الرسمي وعلى كرسي العمل!..الكرسي الذي كان ينطق حيوية ونشاط.

هكذا جاء القرار الصائب، لأطوي اليوم صفحات جميلة ورائعة من حياتي.. كرستها في خدمة التربية والتعليم، وفخورة، وسأظل فخورة وفخورة وفخورة بالمهن التي شكلت شخصي وباتت تنبض في عروقي..فخورة بأنني بدأتُ حياتي بممارسة مهنة الأنبياء، كمعلمة ومن ثم تدرجتُ في المهام الوظيفية التي تساهم في تربية الأجيال.. كاختصاصية اجتماعية وموجهة خدمة اجتماعية ومنسقا للجوائز التربوية.. ,رسمتُ العديد من البصمات الإيجابية في العمل، ساهمتُ في نشر ثقافة التميز على مستوى الدولة وخارجها من خلال تأسيس منتديات المعالي، أسستُ جائزة خاصة بالمتميزين في منطقة عجمان التعليمية، أعددت وألفت 4 كتب تربوية،  وحصاد عملي أن حصلت على 8 جوائز في تميز الأداء وإدارة المشاريع:

2010م على مستوى وزارة التربية والتعليم اجتزتُ منافسات جائزة الإمارات للأداء الحكومي المتميز- وسام رئيس مجلس الوزراء.

2007م - أفضل منسق لفعاليات الدورة العاشرة بجائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز

2007م - جائزة الشارقة للعمل التطوعي.

2006م - جـائزة راشــد بن حميد للثقافة والعلوم المركز الثاني على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي مجال القصة القصيرة.

2004م جائزة مواطنون على دروب التميز.

2002م - جائزة أفضل مشروع إلكتروني مـسابقة تحديــات تكنـــولوجيا المعلومات الـــتربوية.

2002م - جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز-  فئة أفضل مشروع مطبق -  ضمن فريق عمل.

1999م  جائزة يوم العلم السابع عشر- فئة الاختصاصي الاجتماعي المتميز.

1999م - جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليـمي المتميز- فئـة الاختصـاصي الاجتماعي المتميز.

في الختام، أشـــكر كل من ساهم في بناء مسيرة تميزي، كل مدير منطقة ورئيس مباشر، كل مديرة مدرسة وزميلة، معلمة وإدارية، خالص شكري وتقديري لطالباتي وطلابي اللذين علمتهم أبجديات الحياة وتعلمت منهم الصبـــر على متاعب الحياة، أولياء الأمور والأسر الكريمة التي تعاملت معها، كل موظف وموظفة ومستخدم بمنطقة عجمان التعليمية، وكل من جاءني  ليسأل فتعلمتُ من سؤاله..

كل الشـــكر والتقدير للقيادات التربوية التي تقدر قيمة العمل وتستقطب الخبرات المتميزة، تلك هي القيادات المنشودة التي نرجو انتشار من مثلها: إدارة منطقة الشارقة التعليمية ومجلس الشارقة للتعليم..

ختــاماً.. وزارة التربية والتعليم، منطقة عجمان التعليمية، سأظل وافية ومخلصة لكم مهما حييت، ولا أحمل في قلبي إلا كل حب وتقدير.

منــــى جــواد ســـلمان